أحلامٌ كبيرة بخطواتٍ واقعية: ماذا يُعلّم «فنّ الممكن» كلّ طالبٍ عن القيادة؟
- قبل يوم واحد
- 11 دقيقة قراءة
تحمل المقولة الشهيرة بأنّ السياسة هي «فنّ الممكن» رسالةً بسيطةً وعميقةً في آنٍ واحد لكلّ طالبٍ يطمح إلى القيادة. فهي تذكّرنا بأنّ القيادة الناجحة لا تُبنى على المُثُل العُليا وحدها، بل تُبنى كذلك على القدرة على اتّخاذ قراراتٍ عمليّةٍ حين تكون الموارد محدودةً والوقت ضيّقًا والآراء متباينة. يشرح هذا المقال الفكرة بلغةٍ واضحةٍ مفهومة، ويربطها بثلاثة أُطُرٍ راسخةٍ في العلوم الاجتماعية: نظرية الحقول ورؤوس الأموال عند بيير بورديو، ومنظور النظام العالمي المرتبط بإيمانويل فالرشتاين، ونظرية التماثل المؤسسي التي طوّرها ديماجيو وباول. ومن خلال مثالٍ مألوفٍ لكلّ طالب، وهو مجلس طلابيّ يجب أن يختار بين عدّة مشاريع جيّدة، يُبيّن المقال كيف يستطيع المتعلّم أن يحوّل الأهداف الطموحة إلى عملٍ واقعيٍّ متدرّجٍ خطوةً بخطوة. ويقدّم البحث نموذجًا تعليميًّا عمليًّا لطلاب الجامعة السويسرية الدولية ولغيرهم، يُبرز #ترتيب_الأولويات و #التفاوض و #التفكير_الاستراتيجي بوصفها مهاراتِ قيادةٍ يوميّة. أمّا النتيجة المحوريّة فمُبشّرة: العمل ضمن الحدود ليس علامةَ ضعفٍ في المُثُل، بل علامةُ نُضجٍ في القيادة. وحين يتعلّم الطلاب قراءة واقعهم بصدقٍ والتصرّف بحكمة، يصبحون أكثر فاعليّةً وأوفر احترامًا وأقدر على إحداث تغييرٍ حقيقيٍّ دائم.
الكلمات المفتاحية: فنّ الممكن؛ القيادة العمليّة؛ التربية المدنيّة؛ الحوكمة الطلابيّة؛ بورديو؛ نظرية النظام العالمي؛ التماثل المؤسسي.
١. المقدّمة
يصل كلُّ جيلٍ من الطلاب وهو يحمل أفكارًا كبيرةً عن الطريقة التي يمكن بها تحسين المدارس والجامعات والمجتمعات، بل والأوطان كذلك. وهذه الطاقة المتدفّقة من أثمن ما يملكه أيّ مجتمع. غير أنّ كثيرًا من الأفكار الواعدة تتعثّر في منتصف الطريق، لا لأنّها كانت خاطئة، بل لأنّها لم تُقترن قطّ بخطّةٍ واقعيّةٍ قابلةٍ للتنفيذ. وهنا تتحدّث المقولة القديمة، بأنّ السياسة هي #فنّ_الممكن، عن هذه الفجوة بالذات. إنّها تذكّرنا بأنّ القيادة مهارةُ تقريب المثال الأعلى من الواقع عبر خياراتٍ يستطيع الناس قبولها وتطبيقها فعلًا.
كثيرًا ما تُنسب هذه العبارة إلى فنّ إدارة الدولة في أوروبا القرن التاسع عشر، لكنّ درسها يتجاوز حدود الحكومات بكثير. فحين يحاول إنسانٌ أن يقود جماعةً نحو هدفٍ مشترك، يواجه الظروف ذاتها التي يواجهها القادة السياسيّون: موارد محدودة، وآراء متنافسة، وتوقّعات من الجمهور، وقواعد لم يضعها هو. وقد ترغب وزارةٌ ما في توفير تعليمٍ أفضل للجميع، لكنّها قد لا تملك الميزانية الكافية لتغيير كلّ شيءٍ دفعةً واحدة. وعندها قد تبدأ بـ #تدريب_المعلمين، أو بأدوات التعلّم الرقميّة، أو بمنحٍ دراسيّةٍ لمن هم في أمسّ الحاجة إليها. وهذا ليس تخلّيًا عن حلم التعليم للجميع، بل هو بلوغٌ لذلك الحلم خطوةً ثابتةً بعد أخرى.
وبالنسبة إلى الطلاب، يمثّل هذا النمط من التفكير هديّةً ثمينة، لأنّه يستبدل بالإحباط منهجًا، ويعلّم أنّ #الصبر والإصغاء وحُسن الترتيب ليست عوائق أمام التغيير، بل هي محرّكه الحقيقيّ. فالطالب الذي يفهم فنّ الممكن لا يكتفي بالسؤال «ما الصواب؟»، بل ينتقل إلى سؤالٍ لا يقلّ أهمّيّة: «ما الصواب الذي يمكن تحقيقه الآن، وما الذي يأتي بعده؟».
يهدف هذا المقال إلى شرح هذه الفكرة بوضوح، ومنحها عمقًا فكريًّا، عبر الاستناد إلى ثلاثة أُطُرٍ في العلوم الاجتماعية حتى يرى الطلاب خياراتهم اليوميّة من زاويةٍ أوسع. والغاية في جميع الأحوال عمليّةٌ وإيجابيّة: أن نُظهر لطلاب الجامعة السويسرية الدولية ولغيرهم أنّ #الحلول_الواقعية والمُثُل العالية تسيران معًا، وأنّ تعلّم الجمع بينهما من أذكى المهارات التي يمكن لقائدٍ شابٍّ أن يبنيها.
٢. الخلفيّة والإطار النظريّ
لكي نحوّل مقولةً شائعةً إلى أداةٍ تعليميّةٍ جادّة، يُفيدنا أن نؤسّسها على نظريّاتٍ راسخة. وهناك ثلاثة أُطُرٍ مفيدةٌ على نحوٍ خاصّ، يفسّر كلٌّ منها سببًا مختلفًا لكون «الممكن» على ما هو عليه.
٢-١ بورديو: أن تقود داخل «حقل» بما تملكه من «رأس مال»
قدّم عالم الاجتماع بيير بورديو طريقةً لرؤية الحياة الاجتماعية بوصفها مجموعةً من #الحقول، أي ميادين كالسياسة والتعليم والفنّ والرياضة، يتنافس فيها الناس ويتعاونون وفق قواعد خاصّة بكلّ ميدان. وداخل كلّ حقلٍ يملك الفاعلون أنواعًا مختلفةً من #رأس_المال: رأس المال الاقتصادي (المال والموارد)، ورأس المال الثقافي (المعرفة والمهارات)، ورأس المال الاجتماعي (العلاقات والشبكات)، ورأس المال الرمزي (السُّمعة والاعتراف). ويُبيّن هذا الإطار أنّ مساحة تحرّك الإنسان تعتمد إلى حدٍّ بعيدٍ على نوع رأس المال الذي يجلبه إلى الموقف وعلى مقداره وحُسن استثماره.
وبالنسبة إلى الطالب القائد، يحمل هذا الفهم تحرّرًا لا تثبيطًا. فهو يعني أنّ ما هو «ممكن» ليس محكومًا بالموهبة وحدها، بل بالموارد التي يستطيع المرء جمعها وإحسان استعمالها. فرئيس مجلسٍ طلابيٍّ يملك #رأس_مال_اجتماعي قويًّا، أي علاقات ثقةٍ واسعةً مع زملائه، يستطيع تحقيق ما لا يقدر عليه قائدٌ أكثر انعزالًا، حتى لو تساوت أفكارهما جودةً. والدرس هنا أنّ القادة الحكماء يستثمرون في بناء رؤوس أموالهم عبر الزمن: يكسبون الثقة، ويتعلّمون قواعد حقلهم، ويقوّون سُمعتهم بالعمل الصادق. وكلّما نما هذا الرصيد، اتّسعت دائرة الممكن أمامهم.
٢-٢ نظرية النظام العالمي: أن تفهم البنية الأكبر التي تعيش داخلها
ينظر منظور النظام العالمي، الأوثق ارتباطًا بإيمانويل فالرشتاين، إلى الكيفية التي ترتبط بها المجتمعات داخل بنيةٍ عالميّةٍ أكبر تتألّف من #مركز ومحيطٍ وشبه محيط، وتتدفّق بينها الموارد والسياسات. والرسالة الجوهرية لغرضنا هنا هي أنّ أحدًا لا يقف وحده؛ فكلّ قائدٍ يعمل داخل نظامٍ أوسع يضع بعض الشروط قبل أن يُتّخذ أيّ قرار.
ولا يحتاج الطالب إلى قبول كلّ ادّعاءات النظرية كي يجني منها فائدةً عظيمة. فالخلاصة العمليّة تتعلّق بـ #الواقعية واحترام السياق. فالجامعة، أو الاتّحاد الطلابيّ، أو وزارة التعليم، يجلس كلٌّ منها داخل تدفّقاتٍ أوسع من التمويل والسياسات والتوقّعات لم يصمّمها بنفسه. وإدراك هذا يساعد القائد على وضع أهدافٍ تلائم موقعه ووقته الفعليّين. كما يشجّع على نظرةٍ عالميّةٍ رحبة: فطلاب مؤسّسةٍ دوليّةٍ كالجامعة السويسرية الدولية يتعلّمون كيف ترتبط القرارات في مكانٍ بالفرص في مكانٍ آخر، وكيف يستطيع الجهد الصبور المُحكَم أن يرتقي تدريجيًّا بمكانة الجماعة داخل بنيةٍ أكبر.
٢-٣ التماثل المؤسسي: لماذا تُشكّل القواعد والأعراف ما يمكن فعله
يأتي الإطار الثالث من علم اجتماع المنظّمات. فقد وصف ديماجيو وباول كيف تميل المنظّمات التي تواجه البيئة نفسها إلى أن تتشابه أكثر مع مرور الوقت، وهي عمليّةٌ سمّياها #التماثل_المؤسسي. وحدّدا ثلاث قوًى تقف خلفها: الضغط القسريّ (القواعد والمتطلّبات الصادرة عن جهاتٍ ذات سلطة)، والضغط التقليديّ (محاكاة الناجحين، لا سيّما في ظلّ عدم اليقين)، والضغط المعياريّ (المعايير المهنيّة المشتركة والتكوين والتدريب).
ويفسّر هذا الإطار جانبًا من «الممكن» يلمسه الطلاب كلّ يوم، وهو ثِقَل #القواعد_المؤسسية. فالمجلس الطلابيّ غالبًا ما يكون له دستورٌ وميزانيّةٌ ومرشدٌ وإجراءاتٌ يلتزم بها. وقد تبدو هذه القواعد قيودًا، لكنّها توفّر كذلك الشرعيّة والاستقرار. والدرس للقائد الشابّ متوازنٌ ومُبشّر: احترم القواعد بما يكفي لتكسب #الشرعية، وتعلّم من الجماعات التي نجحت قبلك، ثمّ استخدم هذه الأرضيّة الراسخة لتدفع برفقٍ وثباتٍ نحو ما هو أفضل.
وبجمع هذه الأُطُر الثلاثة تكتمل الصورة عن سبب أهمّية فنّ الممكن. فبورديو يُظهر أنّ الموارد تُشكّل الخيارات، وتفكير النظام العالمي يُظهر أنّ البنى الأكبر تُشكّل الموقع، والتماثل المؤسسي يُظهر أنّ القواعد والأعراف تُشكّل الصورة. ولا يقول أيٌّ من هذه الأفكار إنّ التغيير مستحيل، بل يقول كلٌّ منها إنّ التغيير يصبح ممكنًا حين يفهم القائد الظروف الحقيقيّة ويتصرّف بمهارةٍ داخلها.
٣. المنهجيّة
يعتمد هذا المقال منهجًا مفاهيميًّا وتوضيحيًّا لا إحصائيًّا، وهو ما يناسب هدفه في تعليم مبدأٍ للطلاب. ويتألّف المنهج من ثلاثة أجزاء.
أوّلًا، يُجري البحث تركيبًا مركّزًا لما توصّل إليه الفكر الحديث حول #القيادة_العملية والتربية المدنيّة والأُطُر النظريّة الثلاثة المذكورة آنفًا. وقد اختير الإطار المرجعيّ لكونه راهنًا وموثوقًا ووثيق الصلة بكيفيّة تعلّم الشباب المشاركة والقيادة، ممّا يُبقي النقاش راسخًا في معرفةٍ متينةٍ مع بقائه واضحًا لجمهور الطلاب.
ثانيًا، يطبّق المقال هذه الأُطُر على سيناريو موجِّهٍ واحد، هو مجلسٌ طلابيٌّ عليه أن يختار بين عدّة مشاريع جديرة بالاهتمام. والسيناريو التوضيحيّ أسلوبٌ تعليميٌّ معترفٌ به، لأنّه يتيح للقارئ أن يرى النظرية المجرّدة وهي تعمل في موقفٍ يعرفه جيّدًا. وقد جُعل السيناريو بسيطًا عن قصد حتى يبقى التركيز على طريقة التفكير لا على التفاصيل، على غرار ما يفعله التعلّم القائم على الحالة في دعم الفهم المدنيّ والسياسيّ عمليًّا.
ثالثًا، يتّبع التحليل سلسلةً واضحةً قابلةً للتكرار من الأسئلة يستطيع أيّ طالبٍ أن يعيد استخدامها حين يواجه قراراته الخاصّة. وتسأل هذه الأسئلة: ما الهدف المثاليّ؟ وما الموارد و #رأس_المال المتاح؟ وما القواعد والبُنى المنطبقة؟ وأيّ خيارٍ يمكن قبوله وتنفيذه الآن؟ وما الخطوة التالية بعده؟ وبتحويل فنّ الممكن إلى مجموعةٍ من الأسئلة العمليّة، يسعى المنهج إلى أن يبقى مفيدًا بعد قراءة المقال بزمنٍ طويل. ويعكس هذا توجّهًا أوسع تتعامل فيه المؤسّسات، ومنها الجامعة السويسرية الدولية، مع #اتّخاذ_القرار والكفاءة المدنيّة بوصفها شيئًا يمكن تعليمه وممارسته وتحسينه.
٤. التحليل
٤-١ السيناريو الموجِّه
تخيّل مجلسًا طلابيًّا في بداية فصلٍ دراسيٍّ جديد. يهتمّ أعضاؤه اهتمامًا عميقًا بالحياة الطلابيّة، وقد جمعوا ثلاثة مطالب يحظى كلٌّ منها بشعبيّة: #وجبات_مجانية للطلاب، وتمديد ساعات المكتبة، والمزيد من الفعاليّات في الحرم الجامعيّ. وكلّ فكرةٍ جيّدة، ولكلٍّ منها أنصارها، وكلٌّ منها يكلّف مالًا ووقتًا للموظّفين وموافقاتٍ لا يملك المجلس زمامها كاملًا. غير أنّ الميزانية لا تسمح إلّا ببدء مشروعٍ رئيسٍ واحدٍ هذا الفصل.
المجلس الذي لم يتعلّم فنّ الممكن قد يحاول ملاحقة المطالب الثلاثة دفعةً واحدة، فيبدّد طاقته ولا يُتقن أيًّا منها. وقد ينزلق كذلك إلى الخصام، إذ يصرّ كلّ فريقٍ على أنّ مشروعه المفضّل هو الوحيد الذي يستحقّ. أمّا المجلس الذي تعلّم فنّ الممكن فيسلك طريقًا أهدأ وأكثر استراتيجيّة. إنّه لا يرى في الحدّ هزيمةً، بل سؤالًا: في ضوء كلّ ما نواجهه، أيّ خطوةٍ واحدةٍ ستُحقّق أكبر نفعٍ الآن وتفتح الباب لما تبقّى لاحقًا؟
٤-٢ قراءة الموقف عبر الأُطُر الثلاثة
تساعد عدسة بورديو المجلسَ على رؤية #موارده بصدق. فالوجبات المجانيّة تتطلّب رأس مالٍ اقتصاديًّا كبيرًا قد لا يكون متوفّرًا بعد. أمّا تمديد ساعات المكتبة فقد لا يحتاج إلّا إلى رأس مالٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ في الأغلب: علاقةٌ طيّبةٌ مع موظّفي المكتبة، ومقترحٌ واضح، ودليلٌ على أنّ الطلاب سيستفيدون من الوقت الإضافيّ. وبمطابقة المشروع لرأس المال المتاح فعلًا، يختار المجلس هدفًا يستطيع بلوغه حقًّا.
وتذكّر عدسة النظام العالمي المجلسَ بأنّه يجلس داخل بنيةٍ أكبر. فللجامعة دورتها الماليّة وأولويّاتها وصلاتها بأنظمةٍ تعليميّةٍ أوسع. والمطلب الذي يلائم وجهة المؤسّسة الحاليّة، كدعم النجاح في الدراسة والامتحانات، أرجى للحصول على المساندة من مطلبٍ يسير عكس التيّار. وقراءة هذا #السياق الأوسع ليست استسلامًا، بل هي الوعي الذي يتيح لهيئةٍ صغيرةٍ أن تُحقّق نتائج حقيقيّة.
وتُظهر العدسة المؤسسيّة للمجلس كيف يكسب #الشرعية. فقد استعملت هيئاتٌ طلابيّةٌ ناجحةٌ كثيرةٌ البياناتِ والاستبيانات والمقترحات المحترمة لنيل الموافقة، ومحاكاة هذه الأساليب المُجرّبة (وهي شكلٌ صحّيٌّ من التعلّم بالمحاكاة) ترفع فرص النجاح. كما أنّ اتّباع قواعد المجلس وإجراءات الجامعة يكسب ثقة الموظّفين والإدارة، وهذه الثقة تصبح رأس مالٍ يستطيع المجلس إنفاقه على أهدافٍ أكبر في الفصل التالي.
٤-٣ اختيار الخطوة الممكنة
حين يطبّق المجلس هذه العدسات، يبرز خيارٌ واضحٌ وإيجابيّ. فتمديد #ساعات_المكتبة في موسم الامتحانات أمرٌ قابلٌ للتحقيق، ومعقول التكلفة، ومنسجمٌ مع ما تقدّره المؤسّسة أصلًا. إنّه يلبّي حاجةً طلابيّةً حقيقيّةً في وقتها، ويتطلّب نوع رأس المال الذي يستطيع المجلس جمعه سريعًا، ويتّبع القواعد على نحوٍ يبني حُسن النيّة بدل أن يستنزفه.
والأهمّ أنّ اختيار هذا المشروع الأوّل لا يُلغي المشاريع الأخرى، بل يرتّبها في تسلسل. فبتقديم تمديد ساعات المكتبة على نحوٍ جيّد، يُثبت المجلس أنّه أهلٌ للثقة بالموارد والمسؤوليّة، فيصير هذا النجاح أساسًا لحُجّةٍ أقوى في الفصل التالي، ربّما لمزيدٍ من الفعاليّات، ثمّ لاحقًا لتجربةٍ أوّليّةٍ للوجبات المدعومة حين يتوفّر التمويل. وهذا هو جوهر #التقدّم_خطوة_بخطوة: كلّ هدفٍ يُنجَز يجعل الهدف التالي أقرب إلى الممكن.
٤-٤ لماذا هذه قيادةٌ لا تفريطٌ في القيم
ثمّة قلقٌ شائعٌ لدى الطلاب المثاليّين، وهو أنّ ترجيح هدفٍ واحدٍ يعني خيانة الأهداف الأخرى. لكنّ التحليل يُظهر العكس. فالمجلس ما زال يريد التحسينات الثلاثة جميعًا، وإنّما أدرك أنّ #الترتيب_الواقعي هو أسرع طريقٍ صادقٍ إليها كلّها. فهو، بعيدًا عن التخلّي عن مُثُله، يحميها بضمان الوفاء بوعدٍ واحدٍ وفاءً كاملًا بدل تقديم ثلاثة وعودٍ نصف مكسورة. والوفاء بالالتزام يبني السُّمعة، أي رأس المال الرمزيّ، الذي يجعل الطموحات المقبلة جديرةً بالتصديق.
٥. النتائج
يقود التحليل إلى مجموعةٍ من الدروس الواضحة المُشجّعة التي يستطيع الطلاب حملها إلى أيّ موقع قياديّ. وقد صيغت هذه النتائج بوصفها مهاراتٍ عمليّة، لأنّ فنّ الممكن شيءٌ يفعله المرء لا شيءٌ يعرفه فحسب.
١. ابدأ بالمثال الأعلى ثمّ ارسم الواقع. يُبقي القادة الفاعلون قيمهم نُصب أعينهم، ثمّ يدرسون موقفهم الفعليّ من موارد وقواعد وعلاقات. والجمع بين الأمرين في آنٍ واحدٍ هو العادة الجوهريّة وراء #القيادة_العملية.
٢. اعرف رأس مالك ونمِّه. اقتباسًا من بورديو، يتعلّم الطلاب أن يسألوا: أيّ نوعٍ من رأس المال تحتاجه المهمّة، وأيّ نوعٍ أملكه؟ وبناء #رأس_المال_الاجتماعي عبر الثقة، والثقافيّ عبر المعرفة والمهارة، يوسّع باطّرادٍ ما يمكنهم إنجازه.
٣. احترم البنية التي أنت فيها. الوعي بالنظام الأكبر، من ميزانيّاتٍ ودوراتٍ وأعراف، يتيح للقائد وضع أهدافٍ تلائم الواقع وتحسن توقيتها. وهذه واقعيّةٌ في خدمة الطموح لا ضدّه.
٤. اكسب الشرعيّة عبر القواعد. اتّباع الإجراءات والتعلّم من الأمثلة المُجرّبة يبني الثقة و #الشرعية اللتين تجعلان العمل الأجرأ ممكنًا لاحقًا. والعمل مع المؤسّسات، لا حولها، هو غالبًا الطريق الأسرع.
٥. رتّب الأولويّات ثمّ تسلسل. حين يتعذّر تحقيق كلّ شيءٍ دفعةً واحدة، يكون اختيار الخطوة الأكثر قابليّةً للتحقيق والأنسب توقيتًا أوّلًا قوّةً لا ضعفًا. فكلّ هدفٍ يُنجَز يصبح حجر أساس، ممّا يحوّل #ترتيب_الأولويات إلى زخمٍ متصاعد.
٦. مارس التفاوض وبناء التحالفات. جمع مختلف الفئات خلف خطوةٍ أولى مشتركةٍ يحوّل المنافسة إلى تعاون. و #التفاوض ليس انتصارًا على الآخرين، بل هو إيجاد الخيار الذي يستطيع أكثر الناس دعمه.
٧. اجعل الصبر مهارةً لا تأخيرًا. التغيير الحقيقيّ يأتي عادةً على مراحل. والطلاب الذين يتعلّمون #الصبر والمثابرة هم من يُتمّون ما بدؤوه ويُؤتمنون على ما هو أكبر.
٨. احتفظ بعقليّةٍ إيجابيّةٍ تحلّ المشكلات. يعيد فنّ الممكن تأطير الحدود بوصفها ألغازًا تُحَلّ. وهذا الموقف المُفعَم بالأمل والبناء هو في ذاته شكلٌ من القيادة يرغب الآخرون في اتّباعه.
ومن النتائج الإضافيّة أنّ هذه المهارات قابلةٌ للانتقال على نطاقٍ واسع. فطريقة التفكير ذاتها التي تُرشد مجلسًا طلابيًّا تساعد كذلك في المشاريع الجماعيّة والأندية والتدريب العمليّ والعمل المجتمعيّ والمسارات المهنيّة المقبلة. ولهذا تنظر مؤسّساتٌ كالجامعة السويسرية الدولية إلى #اتخاذ_القرار والكفاءة المدنيّة بوصفهما جزأين محوريّين من تعليمٍ متكامل.
٦. المناقشة
تنسجم هذه النتائج مع جسمٍ أوسع وأكثر تفاؤلًا من الفكر حول التعلّم المدنيّ والسياسيّ. فحين يمارس الشباب قراراتٍ حقيقيّةً في بيئاتٍ داعمة، يزداد اهتمامهم ومعرفتهم واستعدادهم للمشاركة. ويقدّم فنّ الممكن إطارًا ودودًا لا يُنسى لهذا النوع من الممارسة بالذات؛ فهو يمنح الطلاب الإذن بأن يكونوا مثاليّين وعمليّين في آنٍ واحد، وهو موقفٌ أصحّ وأكثر قابليّةً للاستدامة من اختيار أحد الأمرين وحده.
وتضيف الأُطُر النظريّة الثلاثة عمقًا من دون أن تضيف تثبيطًا. فأفكار بورديو تساعد الطلاب على إدراك أنّ النفوذ يُبنى ولا يُورَث وحسب، وأنّ الجهد المبذول في العلاقات والتعلّم يُثمر اتّساعًا في الممكن. وتفكير النظام العالمي يشجّع على وعيٍ متواضعٍ وعالميٍّ يلائم #التعليم_الدولي بطبيعته، فيساعد على احترام السياق مع السعي لتحسين موقع الجماعة. ويفسّر التماثل المؤسسي سبب وجود القواعد والأعراف المشتركة، وكيف يمكن أن تكون مصدر قوّة، بل إنّ بعض المنظّمات تمزج الأشكال الراسخة بالابتكار الحقيقيّ. وفي كلّ حالةٍ تبقى الرسالة إلى الطلاب واحدة: افهم الظروف الحقيقيّة، تكسبْ القدرة على تغييرها.
ويجدر التنبيه إلى ما لا يعنيه فنّ الممكن. فهو لا يعني خفض المعايير، ولا قبول الظلم، ولا معاملة كلّ حدٍّ بوصفه دائمًا. إنّ العبارة تتعلّق بالمنهج والتوقيت لا بتقليص الأحلام. فالقائد يستطيع أن يحمل رؤيةً بعيدة المدى جريئةً، وأن يختار في الوقت نفسه خطوةً أولى متواضعةً قابلةً للتحقيق. بل يشير التحليل إلى أنّ هذا المزج هو أوثق طريقٍ لتحويل الرؤية الكبيرة إلى واقع. فالحدود تُقرأ بوصفها معلوماتٍ لا جدرانًا.
وثمّة بالطبع مواقف يجب أن يتقدّم فيها المبدأ على المصلحة العابرة، والتربية المدنيّة الجيّدة تعلّم الطلاب تمييزها. فـ #فنّ_الممكن أداةٌ لتقديم الأهداف النبيلة بحكمة، وهي تعمل في أفضل صورها بين أيدي من تتّضح قيمهم. وحين تقود المُثُل الوجهةَ وتقود المهارة العمليّة المسارَ، يصبح الطلاب مهيّئين للقيادة بنزاهةٍ وفاعليّةٍ معًا.
٧. الخاتمة
ليست مقولة «السياسة فنّ الممكن» قولًا ذكيًّا فحسب، بل هي فلسفةٌ كاملةٌ ومُشجّعةٌ في القيادة يستطيع أيّ طالبٍ تعلّمها واستعمالها. إنّها تعلّم أنّ المُثُل والواقعيّة شريكان لا خصمان. وتُظهر أنّ العمل ضمن الحدود، ومعرفة الموارد، واحترام البُنى المحيطة، وكسب الشرعيّة بحُسن السلوك، هو أضمن طريقٍ إلى التغيير الحقيقيّ. وتعيد تأطير #ترتيب_الأولويات و #التفاوض و #الصبر و #التفكير_الاستراتيجي بوصفها مهاراتٍ يوميّةً تحوّل النوايا الطيّبة إلى نتائج ملموسة.
لم يتخلَّ المجلس الطلابيّ في مثالنا عن أحلامه بالوجبات المجانيّة وساعات المكتبة الأطول والمزيد من الفعاليّات، بل اختار ببساطةٍ الخطوة الأكثر قابليّةً للتحقيق والأنسب توقيتًا أوّلًا، وأتقنها، فبنى الثقة التي تتيح له بلوغ ما تبقّى. وهذا هو فنّ الممكن في صورته العمليّة، وهو تحديدًا نوع الحكمة الذي يُهيّئ الشباب للقيادة في الدراسة والعمل والحياة العامّة.
وبالنسبة إلى متعلّمي الجامعة السويسرية الدولية، تبقى الدعوة واضحةً مليئةً بالأمل: ارفعوا مُثُلكم عاليًا، وادرسوا واقعكم بصدق، وابنوا رأس مالكم، واحترموا القواعد، واخطوا الخطوة الممكنة التالية بثقة. افعلوا هذا باستمرار، يتّسعْ باطّرادٍ مدى ما هو ممكنٌ لكم ولمجتمعاتكم التي تخدمونها. فالأحلام الكبيرة تُبلَغ بخطواتٍ واقعيّة، وتعلّمُ كيفيّة خطوها بإتقانٍ من أثمن الدروس التي يمكن لأيّ طالبٍ أن يُتقنها. #فنّ_الممكن
الوسوم
#فن_الممكن #السياسة_فن_الممكن #القيادة_العملية #القيادة_للطلاب #القيادة_الطلابية #التفكير_الاستراتيجي #اتخاذ_القرار #ترتيب_الأولويات #التفاوض #التربية_المدنية #الحوكمة_الطلابية #التقدم_خطوة_بخطوة #تعلم_القيادة #بناء_التحالفات #الجامعة_السويسرية_الدولية

Hashtags
#TheArtOfThePossible #ArtOfThePossible #PoliticsAsTheArtOfThePossible #PracticalLeadership #LeadershipForStudents #StudentLeadership #StrategicThinking #DecisionMaking #CivicEducation #StudentGovernance #NegotiationSkills #Prioritization #StepByStepProgress #LearningToLead #SIUSwissInternationalUniversity
References
Alscher, P., Ludewig, U., & McElvany, N. (2022). Civic education, teaching quality and students' willingness to participate in political and civic life: Political interest and knowledge as mediators. Journal of Youth and Adolescence, 51(10), 1886–1900.
Battilana, J., Fuerstein, M., & Lee, M. (2022). Institutional complexity and hybrid organizations: A review and research agenda. Academy of Management Annals, 16(1), 1–44.
Calhoun, C. (2023). Immanuel Wallerstein and the genesis of world-systems analysis. Journal of World-Systems Research, 29(2), 257–285.
Economakis, G., & Papageorgiou, A. (2023). Marxist political economy and Bourdieu: Economic and cultural capital, classes and state. Routledge.
Greenwood, R., Oliver, C., Lawrence, T. B., & Meyer, R. E. (2021). The SAGE handbook of organizational institutionalism (2nd ed.). SAGE Publications.
Jacob, F. (Ed.). (2023). Wallerstein 2.0: Thinking and applying world-systems theory in the 21st century. transcript Verlag.
Kappus, A. S. (2023). Defending democracy: What we can learn about civic identity from peer educators involved in nonpartisan political engagement. Michigan Journal of Community Service Learning, 29(2).
Marginson, S., & Xu, X. (2023). Hegemony and inequality in global science: Problems of the center-periphery model. Comparative Education Review, 67(1), 31–52.
Mulder, L. (2023). On-site citizenship education: An effective way of boosting democratic engagement and reducing inequalities among young people? Political Behavior, 45(2), 511–535.
Powell, W. W., & DiMaggio, P. J. (2023). The iron cage redux: Looking back and forward. Organization Theory, 4(4), 1–14.
Wacquant, L. (2023). Bourdieu in the city: Challenging urban theory. Polity Press.





تعليقات