الحرب مشروع ربحي: ماذا تعلّمنا من كتاب «الحرب خدعة تجارية» بعد ما يقارب مئة عام؟
- قبل 3 أيام
- 10 دقيقة قراءة
بعد ما يقارب قرنًا كاملًا على صدور كتاب «الحرب خدعة تجارية» للواء الأمريكي المتقاعد سميدلي بتلر، ما زال هذا العمل القصير في حجمه، الكبير في أثره، يفرض نفسه على النقاشات الفكرية والأكاديمية المعاصرة. فعلى الرغم من أن الكتاب نُشر في عام 1935، فإن الأسئلة التي طرحها لم تفقد قيمتها، بل ربما أصبحت أكثر إلحاحًا اليوم. لقد كتب بتلر من موقع إنسان خَبِر الحرب من الداخل، ثم عاد بعد سنوات طويلة من الخدمة العسكرية ليراجع ما شاهده وما فهمه، ليقول بوضوح إن الحروب ليست دائمًا كما تُقدَّم للجمهور، وإن الشعارات الكبرى قد تُخفي أحيانًا مصالح اقتصادية وسياسية هائلة تستفيد منها فئات محدودة، بينما تتحمل الشعوب العادية الثمن الحقيقي.
ما يجعل هذا الكتاب مهمًا اليوم ليس فقط قوته الأخلاقية، بل أيضًا قدرته على كشف العلاقة المعقدة بين السلطة والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام. وفي عالمنا المعاصر، لم تعد الحروب تُدار فقط بالبنادق والدبابات والطائرات التقليدية، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بالطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، والأمن السيبراني، والرقائق الإلكترونية، والبنية التحتية الرقمية، والبيانات الضخمة، وسلاسل الإمداد العالمية. وهذا يعني أن السؤال الذي طرحه بتلر قبل نحو مئة عام لم يعد سؤالًا عسكريًا فقط، بل أصبح سؤالًا إداريًا وأخلاقيًا وتقنيًا وإنسانيًا في آنٍ واحد.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة هذا الكتاب اليوم، ليس بوصفه نصًا تاريخيًا فقط، بل بوصفه مرآة نقدية تساعدنا على فهم الحاضر. فخلال الشهر الأخير وحده، تجددت النقاشات العالمية حول زيادة الإنفاق الدفاعي، وتسارع تصنيع الطائرات المسيّرة، وتوسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة العسكرية، مع استمرار العجز الدولي عن وضع قواعد حاسمة وواضحة تحكم هذا النوع الجديد من القوة. وفي هذا السياق، يصبح من المشروع أن نسأل: ماذا تعلمنا فعلًا من كتاب «الحرب خدعة تجارية» بعد قرابة مئة سنة؟ وهل تغيّر العالم فعلًا، أم أن أشكال الحرب فقط هي التي تغيّرت بينما بقيت بعض البُنى العميقة كما هي؟
أولًا: الفكرة المركزية في الكتاب ما زالت حيّة
جوهر رسالة سميدلي بتلر كان صادمًا في زمنه، وما زال صادمًا حتى اليوم. فقد كان يرى أن الحرب في كثير من الأحيان لا تُدار فقط بدافع الدفاع المشروع أو حماية الأوطان، بل قد تتحول إلى منظومة مصالح تستفيد منها الشركات الكبرى، والدوائر السياسية، والمؤسسات المرتبطة بالصناعة العسكرية، بينما يدفع الجنود وأسرهم والمجتمعات المتضررة الثمن البشري والاقتصادي والاجتماعي.
ولم يكن يقصد بذلك أن كل نزاع في العالم متماثل، أو أن كل دولة تخوض الحرب للسبب نفسه، بل كان يريد أن يلفت الانتباه إلى مسألة بالغة الأهمية: من المستفيد الحقيقي؟ ومن الذي يدفع التكلفة؟ ومن يملك سلطة القرار؟. وهذه الأسئلة الثلاثة وحدها كافية لتحويل الكتاب من نص سياسي قديم إلى أداة تحليل حديثة يمكن استخدامها في مجالات متعددة، منها الإدارة العامة، والاقتصاد السياسي، ودراسات السلام، والحوكمة، وأخلاقيات التكنولوجيا.
إن أحد أعظم الدروس التي يقدمها الكتاب هو أن المؤسسات لا تتحرك فقط وفق ما تعلنه من مبادئ، بل أيضًا وفق ما تصنعه من حوافز داخلية ومصالح مالية وشبكات نفوذ. وهذه الفكرة مألوفة جدًا في علم الإدارة الحديث؛ إذ كثيرًا ما ترفع المؤسسات شعارات أخلاقية نبيلة، لكنها في الواقع تكافئ سلوكيات مختلفة تمامًا. قد تتحدث جهة ما عن السلام، لكنها توسع ميزانيات التسلح. وقد تتحدث شركة عن المسؤولية الاجتماعية، لكنها تزيد استثماراتها في مجالات تستفيد من عدم الاستقرار. وقد تعلن مؤسسة تقنية أن هدفها خدمة الإنسان، ثم تندفع بسرعة نحو تبني أدوات عالية الخطورة دون بناء منظومة حوكمة كافية.
وبهذا المعنى، فإن كتاب «الحرب خدعة تجارية» لا يتحدث عن الحرب فقط، بل عن فشل الحوكمة حين تنفصل الحوافز عن المسؤولية.
ثانيًا: لماذا يبدو الكتاب أكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
لو كان سميدلي بتلر حيًا اليوم، لربما لم يكتفِ بالنظر إلى مصانع السلاح التقليدي، بل كان سيتأمل أيضًا في شركات البرمجيات، ومختبرات الذكاء الاصطناعي، ومنصات البيانات، وشركات الأمن السيبراني، والجهات التي تبني الأنظمة الذاتية والطائرات المسيّرة والرقائق المتقدمة. فالحرب في القرن الحادي والعشرين لم تعد حكرًا على مصانع الحديد والنار، بل دخلت في قلب الاقتصاد الرقمي.
لقد أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا محوريًا في النقاش العالمي حول القوة والأمن والاستقرار. وفي الوقت نفسه، لا تزال القواعد الأخلاقية والقانونية التي تحكم استخدامه في المجالات العسكرية ضعيفة نسبيًا مقارنة بسرعة تطوره. وهنا يظهر التشابه العميق مع فكرة بتلر: القدرة تتقدم بسرعة، لكن الضبط الأخلاقي والمؤسسي يتأخر.
وهذا ليس خطرًا نظريًا فقط. فعندما تدخل الأنظمة الذكية في تحديد الأهداف، أو تحليل البيانات العسكرية، أو دعم اتخاذ القرار في ساحات النزاع، فإن السؤال لا يعود فقط: هل هذه التقنية فعالة؟ بل يصبح السؤال الأهم: من يتحمل المسؤولية عندما تخطئ؟ ومن يراجع القرار؟ وهل ما زال الإنسان في موقع السيطرة الحقيقية؟
في العالم العربي، هذا السؤال مهم للغاية، لأن منطقتنا عاشت طويلًا مع آثار الحروب، والتدخلات، والاضطرابات الأمنية، وتعرف جيدًا أن التكنولوجيا عندما تُستخدم دون ضوابط عادلة وشفافة، فإن نتائجها لا تبقى تقنية فقط، بل تتحول إلى واقع إنساني يمس المدن والاقتصاد والتعليم والاستقرار الاجتماعي ومستقبل الأجيال. ولذلك، فإن قراءة هذا الكتاب اليوم من منظور عربي تمنحنا فرصة للتفكير ليس فقط في نقد الماضي، بل في حماية المستقبل.
ثالثًا: من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الخوف
من أهم ما يمكن إضافته إلى قراءة الكتاب اليوم أن الحرب لم تعد تخلق فقط أرباحًا مباشرة من بيع السلاح، بل قد تولد أيضًا ما يمكن تسميته اقتصاد الخوف. في هذا الاقتصاد، لا تنتج الأرباح من المعركة وحدها، بل من التوتر المستمر، والتهديد المتكرر، وعدم اليقين العالمي، والسباق نحو التسلح، والاعتماد على أنظمة المراقبة والحماية والتحصين والتنبؤ.
بمعنى آخر، ليس من الضروري دائمًا أن تقع حرب شاملة حتى تنشط مصالح كثيرة. يكفي أحيانًا أن يبقى العالم في حالة توتر دائم، أو أن تبقى منطقة ما عرضة لعدم الاستقرار، حتى تبدأ قطاعات واسعة في الاستفادة: من شركات الدفاع، إلى شركات التكنولوجيا، إلى الصناعات المرتبطة بالبنية التحتية الأمنية، إلى الجهات الاستثمارية التي تعيد توزيع أموالها وفق منطق الأزمات.
وهذا التطور يجعل فكرة بتلر أكثر عمقًا اليوم. فهو تحدّث عن الحرب بوصفها مشروعًا يستفيد منه البعض، أما في زمننا الحاضر، فقد أصبح من الممكن أن تتحول الاستعدادات المستمرة للحرب، والخوف من الحرب، والتوقعات المرتبطة بالحرب إلى مصدر ربح بحد ذاته. وهذا أخطر من الحرب نفسها من ناحية التفكير المؤسسي، لأن المجتمعات قد تعتاد عليه، وقد يصبح جزءًا من التخطيط الاقتصادي والاستثماري الطبيعي.
رابعًا: ماذا نتعلم إداريًا من هذا الكتاب؟
القراءة الأكاديمية الحديثة لهذا النص لا ينبغي أن تبقى محصورة في السياسة الدولية أو الدراسات العسكرية. فهناك دروس إدارية عميقة يمكن استخلاصها منه، وهي دروس مفيدة للجامعات، والشركات، والمؤسسات العامة، وحتى لرواد الأعمال.
1. الحوافز تصنع السلوك أكثر من الشعارات
المؤسسة قد ترفع أجمل القيم على موقعها الإلكتروني، لكنها في النهاية تتحرك وفق ما تكافئه داخليًا. إذا كانت المكافأة مرتبطة بالتوسع السريع، والربح الأعلى، والسيطرة السوقية، فقد تتراجع الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية تدريجيًا. لذلك فإن بناء الحوكمة لا يبدأ من الخطاب، بل من نظام الحوافز.
2. الشفافية ليست زينة، بل ضرورة
كلما كانت القرارات ذات الأثر الكبير أكثر تعقيدًا وسرية، ازدادت احتمالات إساءة استخدامها أو تبريرها بطريقة مضللة. وهذا ينطبق على العقود العسكرية، وعلى الأنظمة التقنية، وعلى الاستثمارات الكبرى. ومن هنا فإن الشفافية ليست مسألة علاقات عامة، بل جزء من سلامة المؤسسة نفسها.
3. التقنية تحتاج إلى رقابة بشرية حقيقية
في عصر الذكاء الاصطناعي، لا يكفي أن نقول إن النظام ذكي أو سريع أو دقيق. يجب أن نسأل: هل يمكن مراجعته؟ هل يمكن تفسير قراراته؟ هل يوجد إنسان يملك حق الإيقاف؟ وهل توجد جهة مستقلة قادرة على التدقيق؟ فالتقنية التي لا تخضع للمساءلة قد تتحول من أداة مفيدة إلى خطر مركب.
4. الكلفة الحقيقية ليست دائمًا ظاهرة
أحد أخطر أشكال الفشل الإداري أن تنظر المؤسسة إلى النتائج المباشرة فقط، وتتجاهل الأضرار المؤجلة. في الحرب، قد تُحسب الأرباح في العقود والصفقات، لكن لا تُحسب بالسهولة نفسها كلفة النزوح، أو خسارة التعليم، أو انهيار الثقة، أو الصدمات الاجتماعية والنفسية الممتدة لسنوات. وهذه الفكرة مهمة أيضًا خارج الحروب، في الاقتصاد والبيئة والتعليم والصحة العامة.
5. المسؤولية الأخلاقية يجب أن تكون جزءًا من التصميم المؤسسي
من الخطأ أن تُترك الأخلاق في الهامش، أو أن تُعامل كموضوع ثانوي بعد اتخاذ القرار. الأخلاق يجب أن تدخل في صميم التصميم الإداري نفسه: في من يقرر، وكيف يقرر، ومن يراجع، وما الذي يُعلن، وما الذي يُخفى، وكيف تُقاس النتائج، ومن يملك حق الاعتراض.
خامسًا: لماذا يهم هذا النقاش القارئ العربي؟
قد يتساءل بعض القراء: لماذا نهتم نحن في العالم العربي بكتاب أمريكي قديم عن الحرب؟ والإجابة هي أن العالم العربي ليس بعيدًا عن موضوع هذا الكتاب، بل ربما هو من أكثر المناطق التي تستطيع فهمه بعمق. لقد عرف العرب عبر العقود آثار الحروب المباشرة وغير المباشرة، والتدخلات الدولية، والسباقات الجيوسياسية، والتحولات التي تُتخذ فيها قرارات كبرى بعيدًا عن المجتمعات التي تتحمل نتائجها.
لكن أهمية الكتاب للقارئ العربي لا تكمن فقط في بعده السياسي، بل أيضًا في قيمته التربوية والفكرية. فنحن بحاجة في جامعاتنا ومؤسساتنا الإعلامية والثقافية إلى نصوص تدربنا على طرح الأسئلة الصعبة: من يربح؟ من يخسر؟ كيف تُبنى الرواية العامة؟ كيف تتحول التقنية إلى أداة نفوذ؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على إنسانيته في زمن السرعة والتسليع والتجريد؟
وفي السياق العربي أيضًا، هناك حاجة كبيرة إلى تطوير تعليم يجمع بين الإدارة والأخلاق والتكنولوجيا والوعي السياسي. فمستقبل المنطقة لن يتحدد فقط بقوة الموارد أو حجم الاستثمارات، بل أيضًا بقدرتنا على تكوين أجيال تستطيع فهم الأنظمة المعقدة، وقراءة المصالح الخفية، وربط التقدم التقني بالمسؤولية الإنسانية.
سادسًا: الحرب اليوم ليست فقط في الميدان
من الدروس الجديدة التي نستطيع إضافتها بعد قرابة مئة عام أن الحرب لم تعد فقط ما نراه في ساحات القتال. الحرب اليوم قد تكون في الفضاء الرقمي، وفي البيانات، وفي التضليل الإعلامي، وفي الهجمات السيبرانية، وفي التحكم بالبنية التحتية الحيوية، وفي التنافس على الشرائح الإلكترونية والمعالجات المتقدمة، وفي الهيمنة على المنصات والمعرفة والتقنيات الحساسة.
هذا يعني أن منطق “الرِّبْحية” الذي تحدث عنه بتلر قد تمدد هو أيضًا. فهناك اليوم من يستفيد من سباقات التسلح الرقمية، ومن التوترات الجيوسياسية، ومن عسكرة التقنية، ومن توسيع مفهوم الأمن إلى حد يشمل كل شيء تقريبًا. وقد يبدو هذا للبعض تطورًا طبيعيًا في عالم معقد، لكنه يظل بحاجة إلى ضبط أخلاقي وقانوني ومجتمعي حتى لا يصبح الإنسان هو الخاسر الدائم في كل مرة.
ومن هنا يمكن القول إن السؤال لم يعد فقط: هل الحرب خدعة تجارية؟ بل أيضًا: هل أصبحت بعض أشكال التكنولوجيا جزءًا من منظومة تستفيد من استمرار الخوف وعدم الاستقرار؟
سابعًا: بين الواقعية السياسية والمسؤولية الأخلاقية
من المهم في أي قراءة أكاديمية ناضجة ألا نسقط في التبسيط. فالعالم ليس أبيض أو أسود، وليس صحيحًا أن كل ميزانية دفاعية شريرة، أو أن كل استثمار أمني غير مشروع، أو أن كل تطوير تقني مرتبط بالضرورة باستغلال أخلاقي. الدول تحتاج إلى الأمن، والمجتمعات تحتاج إلى الحماية، وبعض التهديدات حقيقية فعلًا وليست مختلقة.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يلغي ضرورة النقد، بل يزيدها أهمية. فالمشكلة ليست في وجود أمن أو دفاع، بل في كيفية إدارة هذه الملفات، ومن يراقبها، وما حدودها، وكيف تُبرر، وما أثرها على الإنسان والمجتمع. فالواقعية السياسية الحقيقية لا تعني التخلي عن الأخلاق، بل تعني بناء سياسات قوية وعاقلة في الوقت نفسه.
وهنا يبرز تميّز كتاب بتلر. فهو لا يطلب من القارئ أن يكون ساذجًا، بل يطلب منه أن يكون يقظًا. لا يطلب منه أن ينكر المخاطر، بل أن يرفض أن تُستغل هذه المخاطر لتوسيع دوائر الربح دون مساءلة. وهذا بالضبط ما يجعل الكتاب صالحًا للحوار المعاصر.
ثامنًا: ماذا يجب أن تفعل الجامعات؟
إذا كان هذا الكتاب لا يزال مهمًا بعد قرن تقريبًا، فإن الجامعات تتحمل مسؤولية خاصة في إعادته إلى النقاش بطرق جديدة. ليس المقصود أن يُدرّس فقط ضمن التاريخ العسكري، بل أن يُستخدم كنقطة انطلاق لحوارات متعددة التخصصات في:
الإدارة والحوكمة
أخلاقيات الذكاء الاصطناعي
الاقتصاد السياسي الدولي
الإعلام وصناعة الرواية العامة
دراسات السلام والنزاع
المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات
القانون الدولي والرقابة على الأنظمة الذاتية
فالجامعة الحديثة لا ينبغي أن تخرّج فقط أشخاصًا قادرين على تشغيل الأنظمة، بل أيضًا أشخاصًا قادرين على سؤال الأنظمة. والفرق كبير بين تعليم ينتج مهارات تقنية فقط، وتعليم ينتج عقلًا مسؤولًا قادرًا على الربط بين القوة والمعنى، وبين الربح والعدالة، وبين الابتكار والإنسان.
ومن هنا، فإن كتاب «الحرب خدعة تجارية» يحمل قيمة تربوية كبيرة جدًا. إنه يعلم الطالب أن ينظر خلف الخطاب، وأن يفكك البنية، وأن يربط بين الاقتصاد والسياسة والأخلاق، وأن يرفض أن تكون الكفاءة وحدها معيار النجاح إن كانت منفصلة عن المسؤولية.
تاسعًا: ماذا تعلّمنا فعلًا بعد نحو مئة عام؟
بعد ما يقارب مئة عام، يمكن تلخيص أهم ما تعلمناه من هذا الكتاب في عدة نقاط أساسية:
أولًا: الحرب لا تُفهم فقط من خلال الشعارات الرسمية، بل من خلال بنية المصالح والحوافز والمؤسسات.
ثانيًا: الأرباح قد تتركز في يد قلة، بينما تتوزع الخسائر البشرية والاجتماعية على جماعات واسعة لا صوت لها في القرار.
ثالثًا: التكنولوجيا لا تحل المشكلة الأخلاقية، بل قد تجعلها أكثر تعقيدًا، خاصة عندما تزيد المسافة بين القرار والنتيجة.
رابعًا: الحوكمة دائمًا أبطأ من القدرة. وهذا يعني أن المجتمعات قد تمتلك أدوات جديدة قبل أن تمتلك الحكمة الكافية لاستخدامها.
خامسًا: الشفافية والمساءلة ليستا كماليات، بل هما شرط أساسي لمنع تحول القوة إلى منفعة خاصة على حساب الصالح العام.
سادسًا: التعليم الجيد يجب أن يربط بين المعرفة والمسؤولية، وبين الإدارة والقيم، وبين الابتكار والإنسان.
سابعًا: أكثر ما نحتاجه ليس فقط نقد الحرب، بل نقد الأنظمة التي تجعل استمرارها أو التمهيد لها أو استثمار الخوف منها أمرًا عاديًا ومربحًا.
عاشرًا: قراءة عربية أكثر قربًا من الإنسان
لعل ما يجعل هذا الموضوع مؤثرًا لدى القارئ العربي بشكل خاص هو أن مجتمعاتنا ليست بحاجة إلى كثير من الشرح لفهم أن الحرب ليست خبرًا عابرًا. الحرب في الوعي العربي ترتبط بالأسرة، والهجرة، والذاكرة، والتعليم المتعثر، والخوف على المستقبل، وتعطّل التنمية، وفقدان الاستقرار. ولذلك فإن أي حديث أكاديمي عن الحرب يجب ألا يبقى بعيدًا عن الإنسان.
ومن هنا، فإن إعادة تقديم كتاب «الحرب خدعة تجارية» للعقل العربي يجب أن تتجاوز مجرد الإدانة إلى طرح سؤال حضاري أوسع: كيف نبني عالمًا عربيًا أكثر وعيًا، بحيث لا يتحول الإنسان فيه إلى رقم داخل لعبة مصالح أكبر منه؟ وكيف نعلّم أبناءنا أن يفهموا القوة دون أن يعبدوها، وأن يستفيدوا من التكنولوجيا دون أن يفقدوا ضميرهم، وأن ينجحوا في الإدارة دون أن يختزلوا العالم في الربح فقط؟
هذه الأسئلة ليست مثالية زائدة، بل هي جوهر النهضة الحقيقية. لأن أي مشروع تنموي أو تعليمي أو اقتصادي يفقد حساسيته الإنسانية سيتحول في النهاية إلى مشروع ناقص، مهما بدا ناجحًا في الأرقام.
الخاتمة
يبقى كتاب «الحرب خدعة تجارية» بعد ما يقارب مئة عام نصًا استثنائيًا، ليس لأنه قدّم إجابات نهائية، بل لأنه طرح أسئلة لا تزال حية. لقد ذكّرنا بأن القوة تحتاج إلى رقابة، وأن الربح يحتاج إلى أخلاق، وأن الخطاب العام يجب ألا يمنعنا من رؤية المصالح الكامنة خلفه. واليوم، في عصر الطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والقلق الجيوسياسي، تصبح هذه الرسالة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
لقد تغيّرت الأدوات كثيرًا منذ عام 1935، لكن جوهر التحدي ما زال حاضرًا: كيف نمنع المؤسسات من أن تصبح أسيرة للحوافز التي تكافئ التوسع والهيمنة والربح على حساب الإنسان؟ وكيف نبني أنظمة سياسية وإدارية وتقنية تجعل المسؤولية جزءًا من القوة نفسها، لا مجرد تعليق أخلاقي يأتي بعد فوات الأوان؟
بعد قرن تقريبًا، يبدو أن أعظم ما نتعلمه من هذا الكتاب هو أن الحضارة لا تُقاس فقط بما تنتجه من سلاح أو ذكاء اصطناعي أو نفوذ اقتصادي، بل بما تملكه من ضمير مؤسسي، وصدق فكري، وقدرة على وضع الإنسان في قلب القرار. وإذا نجحنا في هذا، فقد نكون فعلًا قد تعلمنا شيئًا من كتاب قديم ما زال يتحدث إلى عصرنا بوضوح مذهل.
#الحرب_خدعة_تجارية #أخلاقيات_الذكاء_الاصطناعي #حوكمة_التكنولوجيا #الاقتصاد_السياسي #الإدارة_والمسؤولية

Sources used for this article
Smedley D. Butler, War Is a Racket (1935 edition)
Internet Archive record for War Is a Racket
International Institute for Strategic Studies, The Military Balance 2026: Global Defence Spending
Reuters, “Progress on rules for lethal autonomous weapons urgently needed, says chair of Geneva talks” (3 March 2026)
Reuters, “Merz and Zelenskiy sign drone and defence cooperation accords” (14 April 2026)
Reuters, “Netherlands to spend nearly 300 million euros on drones for Ukraine” (15 April 2026)
Reuters, “In the world of war and rivalry, tech is the victor” (16 April 2026)
International AI Safety Report 2026, Executive Summary and policymaker summary
UNESCO and Thomson Reuters Foundation, “Responsible AI in Practice” / report announcement (31 March 2026)





تعليقات